الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
98
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وفي قوله تعالى : إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ محسن بديعي وهو الاتزان لأنه في ميزان الرجز . والمراد بالعود الرجوع إلى ما هم فيه من مناوأة الرسول صلى اللّه عليه وسلم والمسلمين ، والتجهز لحربهم ، مثل صنعهم يوم بدر ، وليس المراد عودهم إلى الكفر بعد الانتهاء لأن مقابلته بقوله : إِنْ يَنْتَهُوا تقتضي أنه ترديد بين حالتين لبيان ما يترتب على كل واحدة منهما وهذا كقول العرب بعضهم لبعض : « أسلم أنت أم حرب » ولأن الذين كفروا لما يفارقوا الكفر بعد فلا يكون المراد بالعود عودهم إلى الكفر بعد أن يسلموا . والسنة العادة المألوفة والسيرة . وقد تقدم في قوله تعالى : قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ في آل عمران [ 137 ] . ومعنى مَضَتْ تقدمت وعرفها الناس . وهذا الخبر تعريض بالوعيد بأنهم سيلقون ما لقيه الأولون ، والقرينة على إرادة التعريض بالوعيد أن ظاهر الإخبار بمضي سنة الأولين ، وهو من الإخبار بشيء معلوم للمخبرين به ، وبهذا الاعتبار حسن تأكيده بقد إذ المراد تأكيد المعنى التعريضي . وبهذا الاعتبار صح وقوع قوله : فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ جزاء للشرط . ولولا ذلك لما كان بين الشرط وجوابه ملازمة في شيء . والأولون : السابقون المتقدمون في حالة ، والمراد هنا الأمم التي سبقت وعرفوا أخبارهم أنهم كذبوا رسل اللّه فلقوا عذاب الاستيصال مثل عاد وثمود قال تعالى : فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ [ فاطر : 43 ] . ويجوز أن المراد بالأولين أيضا السابقون للمخاطبين من قومهم من أهل مكة الذين استأصلهم السيف يوم بدر ، وفي كل أولئك عبرة للحاضرين الباقين ، وتهديد بأن يصيروا مصيرهم . [ 39 ، 40 ] [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 39 إلى 40 ] وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 39 ) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ( 40 ) عطف على جملة إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ [ الأنفال : 36 ] الآية ، ويجوز أن